أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

216

شرح مقامات الحريري

قال : فجعل الشّيخ ينضنض نضنضة الصّلّ ، ويحملق حملقة البازي المطلّ ، ثم قال : والّذي زيّن السّماء بالشّهب ، وأنزل الماء من السّحب ، ما روغي عن الاصطلاح ؛ إلا لتواقّي الافتضاح ، فإنّ هذا الفتى اعتاد أن أمونه ، وأراعي شؤونه ، وقد كان الدّهر يسحّ ، فلم أكن أشحّ ؛ فأمّا الآن فالوقت عبوس ، وحشو العيش بؤس ؛ حتّى إن بزّتي هذه عارة ، وبيتي لا تطور به فارة . قال : فرقّ لمقالهما قلب الوالي ، وأوى لهما من غير اللّيالي ، وصبا إلى اختصاصهما بالإسعاف ، وأمر النّظارة بالانصراف . * * * قوله : « ينضنض » يحرك لسانه . الصّلّ : الحية . يحملق : ينظر بحملاقه وهو باطن جفنه ، وذلك نظر الغضبان . المطلّ : المشرف على فريسته ، الشهب : النجوم . روغي : فراري . توقّي : خشية . الافتضاح : الشهرة . أمونه : أتكلف لوازمه . أراعي : أحفظ . شؤونه : أموره . يسحّ : يصب الرزق . الحشو : ما حشي به . بؤس : ضر . بزّتي : ثوبي . عارة ، أي عارية . تطوره : تقرب منه ؛ يريد أن الفأرة ليس لها فيه ما تأكل ، وأخذ هذا المعنى من قول امرأة وقفت على قيس بن سعد بن عبادة ، فقالت : أشكو إليك قلة الجرذان ، فقال : ما أحسن هذه الكناية ! املئوا بيتها خبزا ولحما وسمنا . وقد أعاد هذا المعنى منظوما في الثالثة والثلاثين ، فقال : [ السريع ] وأملحت ربعي حتى خلت * من ربعي الممحل جرذانه وحكى الفنجديهيّ بسنده إلى أبي محمد الحسن بن إسماعيل الضرّاب ، قال : كنت قاعدا أنسخ في السراج ، وبين يديّ قدح فيه ماء ، وظرف فيه كعك وزبيب ولوز ، فجاءت فأرة فأخذت لوزة فمضت ، ثم عادت فأخذت أخرى فبدّدت الماء الذي كان في القدح ، فعادت الفأرة فكببت القدح عليها واشتغلت بشغلي ساعة ، فإذا فأرة أخرى قد جاءت فشقشقت وبقيت ساعة على ذلك ، والفأرة الأخرى تشقشق من داخل القدح ، فلم تجد حيلة في خلاصها ، فمضت أختها ، فأتت بدينار فوضعته ووقفت ، ولم أرفع القدح عن الفأرة ، فمضت وأتت بدينار آخر ، ووقفت ولم أرفع القدح ، ففعلت ذلك إلى أن أتت بسبعة دنانير ، ووقفت ساعة ، ولم أخلّ عن الفأرة ، فمضت وأتت بقرطاس فارغ فعلمت أنها لم يبق عندها شيء فخلّيت عن الفأرة .

--> سيبويه 1 / 45 ، وشرح شواهد المغني 2 / 952 ، وشرح المفصل 2 / 54 ، والكتاب 1 / 368 ، ولسان العرب ( عور ) ، واللمع ص 141 ، والمقاصد النحوية 3 / 75 ، ونوادر أبي زيد ص 110 ، وبلا نسبة في أسرار العربية ص 187 ، وخزانة الأدب 3 / 115 ، وشرح ابن عقيل ص 296 ، والكتاب 3 / 126 ، ولسان العرب ( خصص ) ، والمقتضب 2 / 348 .